يوسف المرعشلي

1245

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

وزير الدولة ، أمير تلك الناحية ، فرتّب له ثمانين ربية في كل شهر ، فما لبث بها إلا قليلا حتى ألقى اللّه في روع الوزير المذكور رأفة ورحمة له ، ورأى مصلحة في طلبه ، فقدم بهوپال سنة ست وسبعين ومئتين وألف ، وولي على تحرير الوقائع ، وزوّجه الوزير بابنته التي أولادها كانوا يتعلمون منه . وسافر سنة خمس وثمانين ومئتين وألف للحج ، ودخل لثلاث بقين من رمضان في هذه السنة في الحديدة ، ودخل في الثالث عشر من ذي القعدة في مكة وقضى مناسك الحج ، وبقي مدة إقامته في الحديدة ومكة عاكفا على انتساخ الكتب النادرة في الحديث ، واشتغل بذلك في منى ، ونقل بقلمه بعض الكتب المبسوطة ، واقتنى عددا من كتب الحديث ، وقرأ كتب السنة على محدثي اليمن ، وأخذ منهم الإجازة في الحديث ، وحصلت له الإجازة عن الشيخ يعقوب بن محمد أفضل العمري المهاجر سبط الشيخ عبد العزيز بن ولي اللّه الدهلوي ، ورجع إلى « بهوپال » وولي نظارة المعارف فيها سنة ست وثمانين ومئتين وألف ، ثم ولي النظارة بديوان الإنشاء في أوائل شعبان من سنة سبع وثمانين ومئتين وألف ، وخلع عليه ومنح لقب « خان » . وكان يتردّد بحكم منصبه إلى نواب شاهجهان بيگم ملكة بهوپال ويمثل بين يديها ، فألقى اللّه في قلبها محبته فقربته إلى نفسها ، وكانت أيّما ، مات زوجها النواب باقي محمد خان قبل سنوات ، وقد اقترحت عليها الحكومة الإنجليزية بالزواج ليكون زوجها بجوارها ليساعدها في شؤون الحكومة والإدارة ، فتزوّجت به لما علمت من شرف نسبه وغزارة علمه واستقامة سيرته سنة سبع وثمانين ومئتين وألف ، وجعلته معتمد المهام سنة ثمان وثمانين ومئتين وألف ، ومنحته أقطاعا من الأرض الخراجية تغلّ له خمسين ألف ربية في كل سنة ، وخلعت عليه ولقبته الدولة البريطانية الحاكم بالهند لعشر خلون من شعبان سنة تسع وثمانين ومئتين وألف « نواب والا جاه أمير الملك سيد محمد صديق حسن خان بهادر » ومنحته حق التعظيم في أرض الهند بطولها وعرضها بإطلاق المدافع سبع عشرة طلقة ، وخلعت عليه بالخلع الفاخرة ، ومنحه السلطان عبد الحميد خان في سنة خمس وتسعين ومئتين وألف الوسام المجيدي من الدرجة الثانية . وكان في أحسن حال ورخاء بال ، مشتغلا بالعلم والمطالعة مكبّا على التأليف والتصنيف جامعا بين الرئاستين العلمية والعملية ، إذ حدث ما أزعج باله وشغل خاطره ، فقد وشيت له سعايات ، ودبّرت عليه مؤامرات ، واحتقد عليه وكيل الحكومة الإنجليزية لدى الإمارات الهندية ، فاتهمه بأنه حرض في بعض مؤلفاته على الجهاد ، وأنه مشمر عن ساق الجد والاجتهاد في نشر المذهب الوهابي في الهند ، وهو مذهب اتهم أصحابه بالخروج على الحكومة الإنجليزية ، وعرفوا بنزعتهم إلى الجهاد ، واعترض عليه بأنه ألزم شاهجهان بيگم ملكة بهوپال الحجاب الشرعي ليستبد بأمور الحكومة ويطلق يده فيها ، وغير ذلك من التهم ، فانتزعت منه ألقاب الإمارة والشرف التي منحته إياها الحكومة الإنجليزية ، وألغي الأمر بإطلاق المدافع تعظيما ، وكان ذلك في الرابع عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاث مئة وألف ، ثم منع في العام القابل من التدخل في إدارة الحكومة ونظمها ، وتنكرت له الوجوه ، وشمت به الأعداء وهو صابر محتسب ، وزوجته أميرة البلاد ثابتة على الإخلاص والوداد ، والوفاء والاتحاد ، تبذل جهدها في نفي هذه التهم ، وإزالة هذه المحنة ، وكان في ذلك إذ اعتراه مرض الاستسقاء ونفذ فيه قضاء اللّه ، وردّت إليه الحكومة لقب الإمارة « نواب » في سلخ ذي الحجة سنة سبع وثلاث مئة وألف وقد فارق الدنيا ولقي الرفيق الأعلى . اشتد به المرض وأعياه العلاج واعتراه الذهول والإغماء ، وكانت أنامله تتحرك كأنه مشغول بالكتابة ، ولما كان سلخ جمادى الآخرة في سنة سبع وثلاث مئة وألف أفاق قليلا ، فسأل صاحبه الشيخ ذا الفقار أحمد المالوي عن كتابه « مقالات الإحسان » وهو تأليفه الأخير الذي ترجم فيه « فتوح الغيب » لسيدنا عبد القادر الجيلي هل صدر من المطبعة ؟ فقال : إنه على وشك الصدور ، ولعله يصل في يوم وليلة ، فحمد اللّه على ذلك وقال : إنه آخر يوم من الشهر ، وهو آخر كتاب من مؤلفاتنا ، فلما كان نصف الليل فاضت على لسانه كلمة « أحب لقاء اللّه » قالها مرة أو مرتين ، وطلب